المقريزي
342
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وكان السّبب في اختيار هذا المكان دون غيره ، أنّ السّلطان حبس في خزانة شمائل هذه ، أيّام تغلّب الأمير منطاش وقبضه على المماليك الظّاهريّة ، فقاسى في ليلة من البقّ والبراغيث شدائد ، فنذر للّه تعالى إن تيسّر له ملك مصر أن يجعل هذه البقعة مسجدا للّه عزّ وجلّ ، ومدرسة لأهل العلم ، فاختار لذلك هذه البقعة وفاء لنذره . وفي رابع جمادى الآخرة كان ابتداء حفر الأساس ، وفي خامس صفر سنة تسع عشرة وثمان مائة وقع الشّروع في البناء . واستقرّ فيه بضع وثلاثون بنّاء ومائة فاعل ، ووفّيت لهم ولمباشريهم أجورهم من غير أن يكلّف أحد في العمل فوق طاقته ، ولا سخّر فيه أحد بالقهر ، فاستمرّ العمل إلى يوم الخميس / سابع عشر ربيع الأوّل ، فأشهد عليه السّلطان أنّه وقف هذا مسجدا للّه تعالى ، ووقف عليه عدّة مواضع بديار مصر وبلاد الشّام . وتردّد ركوب السّلطان إلى هذه العمارة عدّة مرار . وفي شعبان طلبت عمد الرّخام وألواح الرّخام لهذا الجامع ، فأخذت من الدّور والمساجد وغيرها . وفي يوم الخميس سابع عشرين شوّال نقل باب مدرسة السّلطان حسن بن محمد بن قلاوون والتّنّور النّحاس المكفّت ، إلى هذه العمارة ، وقد اشتراهما السّلطان بخمس مائة دينار . وهذا الباب هو الباب « ( a » الذي عمل لهذا الجامع ، وهذا التّنّور هو التّنّور المعلّق تجاه المحراب « 1 » . وكان الملك الظّاهر برقوق قد سدّ باب مدرسة السّلطان حسن « ( b » ، وقطع البسطة التي كانت قدّامه كما تقدّم ، فبقي مصراعا الباب والسّدّ من ورائهما حتى نقلا مع التّنّور الذي كان معلّقا هناك « 2 » . وفي ثامن عشرينه دفنت ابنة صغيرة للسّلطان في موضع القبّة الغربية من هذا الجامع ، وهي ثاني ميّت دفن بها . وانعقدت جملة ما صرف في هذه العمارة ، إلى سلخ ذي الحجّة سنة تسع عشرة ، على أربعين ألف دينار .
--> ( a ساقطة من بولاق . ( b جميع النسخ : مدرسة حسن . ( 1 ) فيما تقدم 283 . ( 2 ) أضاف ابن إياس إلى ذلك : « وأخذ العمد السّماقي من جامع قوصون الذي بالقرب من زقاق حلب ( فيما تقدم 2 : 307 ) ، ونقلت أشياء كثيرة من أعتاب ورخام من مساجد بمصر العتيقة وغيرها . ( بدائع الزهور 2 : 20 ) .